الجاحظ
140
رسائل الجاحظ
صيرفي يصرف ذلك اليوم سفاتجه وكتب أصحابه ، ومن جندي فهو يعرف بذلك نوبته ، وبعض كالسؤال والمساكين والقصاص الذين يمدون أعناقهم للجمعة انتظارا للصدقة والفائدة ، في أمور كثيرة وأسباب مشهورة . ولو جاز ذلك في أهل البحرين والمنصورة لجاز ذلك على أهل البصرة والكوفة ، ولو جاز ذلك في الأيام لكان في الشهور أجوز ، ولو جاز ذلك في الشهور لكان في السنين أجوز ، وفي ذلك فساد الحج والصوم والصلاة والزكاة والأعياد . ولو كان ذلك جائزا لجاز أن يتفق الشعراء على قصيدة واحدة ، والخطباء على خطبة واحدة ، والكتاب على رسالة واحدة ، بل جميع الناس على لفظة واحدة . وإنما نزلت لك حالات الناس وخبرتك عن طبائعهم وفسرت لك عللهم لتعلم أن العدد الكثير لا يتفقون على تخرص الخبر الواحد في المعنى الواحد في الزمن الواحد على غير التشاعر فيكون باطلا وسأبين لك موضع اختلافهم واتفاقهم وأنه لم يخالف بينهم في بعض الوجوه إلا ارهاصا لمصلحتهم ولتصح أخبارهم . [ 16 - سبب البيع والشراء ] ألا ترى أن أحدا لم يبع قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن ذلك الدرهم خير له من سلعته ، ولم يشتر أحد قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن تلك السلعة خير له من درهمه ، ولو كان صاحب السلعة يرى في سلعته ما يرى فيها صاحب الدرهم وكان صاحب الدرهم يرى في الدرهم ما يرى فيه صاحب السلعة ما اتفق بينهما شراء أبدا ولا بيع أبدا ، وفي هذا جميع المفسدة وغاية الهلكة . فسبحان الذي حبب إلينا ما في أيدي غيرنا وحبب إلى غيرنا ما في أيدينا ليقع التبايع ، وإذا وقع التبايع وقع الترابح ، وإذا وقع الترابح وقع التعايش . [ 17 - سبب تنوع الأذواق في الطعام ] ويدلك أيضا على اختلاف طبائعهم وأسبابهم أنك تجد الجماعة وبين أيديهم الفاكهة والرطب فلا تجد يدين تلتقيان على رطبة بعينها وكل واحد من الجميع يرى